المربي المسلم: مهمة واحدة بأبعاد متعددة

المربي المسلم: المهمة واحدة والأبعاد متعددة
 
عندما نقرأ قوله تعالى في سورة البقرة: "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكّيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون"
نجد أنّها تتحدّث عن مهمة النبي صلى الله عليه وسلّم التي أرسله الله تعالى لأدائها والهدف من هذه الرسالة. والمربي المسلم في الحقيقة بعد وفاة النبي (ص) قائمٌ مقام النبي لأنّه يقوم بأداء ذات الرسالة وهي تعليم الناس وتربيتهم على النهج الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلّم ومن أجله أرسله الله تعالى. نجد في هذه الآية القصيرة عدّة مقاطع نتأمّلها:
 
أمّا المقطع الأول فهو قوله تعالى" كما أرسلنا فيكم رسولا منكم..."
وأما المقطع الثاني فهو قوله تعالى: "... يتلوا عليكم آياتنا..."
وأما المقطع الثالث: فهو قوله تعالى"ويزكّيكم ..."
وأما المقطع الرابع: فهو قوله تعالى" ويعلمكم الكتاب والحكمة..."
وأما المقطع الخامس: فهو قوله تعالى" ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون"
 
أما المقطع الأول هو قوله تعالى" كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا..."ففيه إشارة إلى مَن الذي أرسل الرسول وكلّفه بهذه المهمة المقدّسة؛وهو الله تعالى وقد جاء ذلك بصيغة ضمير العظمة "نا"؛ فالله تعالى هو الذي أرسل الرسول إلى الناس لتبليغهم الرسالة وتربيهم على هديها. كما جاء في هذا المقطع أيضا إشارة مهمة إلى أهم ما ينبغي أن يتميّز به المربي المسلم بل وغير المسلم أيضا. هذه الصفة هي الثقة. فالمعلم الذي لا نيق فيه لا نأخذ عنه. ولعل من أهم ما يجعل المربي ثقة عند المتعلمين وعند أوليائهم أنّهم يعرفونه ولذلك قال تعالى: "...رسولا منكم.." بمعنى أنّه ليس مجهول الحال عندكم؛ بل تعرفنه كما تعرفون أخلاقه وعلمه وكفاءته. ذلك لأنّه كلما زادت الثقة في المعلم زادت رغبة المتعلم في الأخذ منه... والتعلم على يديه.
 
وأما المقطع الثاني فقد أشار فيه إلى المهمة الأولى للمعلم وهي التبليغ، فالفرق واضح بين التبليغ والتعليم؛ فالتبليغ نقل الرسالة كما هي.وأما التعليم فهو تلقين وشرح وإقناع. ولذلك، جاء ذكرهما في هذه الآية. ولعلّ البدء بذكر تلاوة الآيات هو إشارة إلى أنها هي المهمة الأساسية للرسول أي التبليغ. فإذا تعلّق الأمر بالتعاليم الإلهية فليس للرسول إلا التبليغ. "وما على الرسول إلا البلاغ"
 
وأما المقطع الثالث: فهو قوله تعالى"ويزكّيكم ..." وهنا تأتي الإشارة إلى بعد آخر من أبعاد مهمة المربي... إنها مهمة التزكية أي تربية النفس على الأخلاق الربانية الفاضلة. فالمربي لا يكتفي بتلقين المعلومات؛ بل يتجاوز ذلك إلى مساعدة المتعلم على الترقّي بنفسه إلى مراتب السمو والطهارة والترفّع عن الصفات التي تجعله يستوي هو والحيوان البهيم أو الشيطان الرجيم. فالله تعالى خلق الإنسان مكرّما مفضّلا؛ ومهمة المربي هي المحافظة على هذا التكريم بأن يبقى الإنسان في مرتبة المخلوق المكرّم، أسمى من الحيوان البهيم أو الشيطان الرجيم.  
 
وأما المقطع الرابع: فهو قوله تعالى" ويعلمكم الكتاب والحكمة..." ففيه إشارة أنّ وظيفة المعلم تتجاوز مجرّد التلقين والتبليغ بل لابد له من ممارسة وظيفة البيان والشرح والتفصيل لما أُمِرَ بتبليغه أي كما ججاء في سورة النحل: "... لتبيّن للناس ما نزّل إليهم.." فالمعلم لا يكتفي بالتبليغ بل يؤكّد ذلك بالشرح والبيان ذلك لأن ليس كلّ الناس على مستوى واحد من القدرةعلى الفهم والاستيعاب؛ فمنهم من يفهم بجرّد الاستماع ومنهم من يحتاج إلى التكرار، ومنهم من لابد له من التفصيل والبيان.
وأما المقطع الخامس: فهو قوله تعالى" ويعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون" هذا المقطع من الآية تضمّن أهم ما ينبغي أن يتّصف به امربي الناجح وهو أن يكون أعلم من المتعلم؛ إذ تزداد ثقة المتعلم بالمعلّمه إذا رأي أنّه معلّمه أكبر منه وأفضل خلقا وأكثر منه علما واطّلاعا. تصوّر معي لو أنّ المتعلم اكتشف أنّ معلّمه لا يتحدّث له إلا عن أشياء هو يعرفها أو لا يحتاج إليها، فكيف يكون موقف المتعلم إذن؟ ولهذا، فالشعور بالجهل أو العجز أو الدهشة أمام المعلم من أهم شروط تقوية رغبة المتعلم في التعلم على يدي المعلم. والله علّمكم ما لم تكونوا تعلمون والسلام عليكم ورحمة الله.