من "خواطر" الدكتور عمر نقيب ...نصيحة ربانية للمعلم

 
 
 
 

هذا مضمون إحدى حلقات برنامج خواطر تربوية،للأستاذ الدكتور عمر نقيب،الذي يذاع كل يوم أحد في 07.23 دقيقة صباحا،وكما كانت الحلقة مميزة سمعا وصوتا،نرجو أن تكون كذلك كأفكار محررة ومنشورة.........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
            نصيحة ربانية للمعلم
أثناء خطبة الجمعة بينما كنت أنصت إلى الإمام وهو يقرأ قوله تعالى من سورة آل عمران:   بسم الله الرحمن الرحيم"
... ولو كنت فضًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك،
فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر،
فإذا عزمت فتوكّل على الله...." آل عمران.
 
انتابني شعور وكأنني أسمعها لأول مرة، فازداد تأمّلي فيها فلفت انتباهي فيها ثلاثة مقاطع
أوّلها: "... ولو كنت فضًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك..."،
ثانيها: "... فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر..."،
ثالثها:"... فإذا عزمت فتوكّل على الله....".
 
هذه الآية تضمّنت منهجا تربوياً ذا طبيعة مزدوجة، أو قل: ذا اتجاهين متكاملين، يُعرَف عند علماء التربية والسلوك بعبارات تنوعت عندهم،
منهم من يسمّيه التنقية أو التخلية ثم التحلية، ومنهم من يسمّيه منهج التفريغ والملء انطلاقا من قول أحد الصحابة عن أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلّم في تربيتهم وتصحيح مفاهيمهم المختلفة
ومنهم من يسمّيه منهج الهدم والبناء، وهكذا....

ولو تأّملنا هذه الآية لوجدناها تضمّنت علمًا غزيرا يفيدنا في تربية أنفسنا،
وفي تربية أولادنا، ومن هم تحت مسؤوليتنا من الموظّفين والمستخدمين والعمال وغيرهم من المواطنين.
 
أما المقطع الأول الذي جاء فيه قوله تعالى: "... ولو كنت فضًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك..."،
فيذكر فيه الصفات السلبية التي ينبغي على المربي أو المسؤول أن يبتعد عنها ويتجنّبها وهي:       "ولو كنت فضًّا غليظ القلب"
أي، الفضاضة ، يعني الخشونة والشدة والحدة وما شابه ذلك من الصفات
وغلظة القلب،
وهي الصفات التي ينبغي على كل من يتعامل مع البشر تربيةً وتعليمًا وسياسةً وتدبيرًا وإدارة أن يتجنّبها نظرا لأنّ لها آثارًا خطيرة على الفرد والجماعة سواء، على العلاقات الاجتماعية بين المعلم والمتعلم بين الأولياء والأولاد، بين الحاكم والمحكوم بين القاضي والمتقاضي بين المريض والطبيب وهكذا...
النتيجة :      "لانفضّوا من حولك"
أي، بسبب فضاضتك وغلظة قلبك تفرّقوا عنك، ونفروا منك، وأعرضوا عن التعلّم منك والاستفادة من علمك وخبرتك، فأفضى الأمر إلى توقّف الحياة الجماعية المشتركة بسبب تفرّق أعضائها، فضاعت المشاريع وتعثرت الطموحات وساد اليأس والإحباط وانتشرت في المجتمع مختلف مظاهر التصدع النفسي والاجتماعي كمؤشر على سقوط وشيك وانهيار أكيد.
ولا شك أيها المستمع في ما لهذه الوضعية التربوية السلبية من أثر خطير على مستقبل الفرد والجماعة بل المجتمع والأمة على السواء
فالمجتمع الذي تتنافر فيه النفوس وتتباعد فيه الأفكار هو مجتمع غير مؤهّلٍ لخوض المهام الكبرى في التاريخ؛ وإنما هو مجتمع مرشّح للسقوط في مثالب التبعية والتخلف. ولهذا، جدير بكل من يمارس التربية أن يفهم هذه المعاني ليبتعد عنها كلما كانت له فرصة التواصل مع الأبناء والمتعلمين بشكل عام. فالألفة ثمرة لحسن الخلق والفرقة ثمرة لسوء الخلق، كما قال الإمام الغرالي في الإحياء.

أما المقطع الثاني الذي جاء فيه قوله تعالى: "... فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر..." ،فيذكر فيه الصفات الإيجابية التي ينبغي أن ينتبه إليها المربي ويشد عليها بالنواجذويتمسّك بها
"فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكّل على الله."أي،
·       العفو عن المخطئين، 
·       والاستغفار للمذنبين، 
·       ومشاور تهم...
·   وكل ذلك طريق إلى المحبة والمودّة بين المؤمنين...وبناء المشاريع، كل المشاريع، في البيت، في المدرسة في المسجد، في المصنع في المجتمع، في الدولة كل ذلك،  على أساس من:
·       المشاروة،
·       وتبادل الخبرات والتجارب،
·       وفتح فرص التعبير الحر عن الرأي،
·   وتشجيع روح المبادرة لإثراء الأفكار والمشاريع، واتّخاذ القرارات على أساس قاعدة التفكر والتوكل على الله:
أما المقطع الثالث الذي جاء فيه قوله تعالى: "... فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحب المتوكّلين"
فهذا المقطع تضمّن إشارة إلى خلاصة المنهج التربوي الذي حدّده لنا القرآن الكريم وهو يجمع بين
توفير الأسباب بالجوارح أوّلاً
ثم التسليم بالقلب لله رب العالمين ثانيًا
من باب أعقلها وتوكّل.
وفي الختام ينبهنا القرآن الكريم إلى الجزاء العظيم الذي يناله من التزم بهذه الصفات .... إنها محبة الله له
فإذا ابتعدت عن الصفات الأولى
والتزمت بالثانية
وانتبهت إلى الثالثة
فزت بمحبة الله لك
إن الله يحب المتوكّلين
والتوكّل هنا هو
توفير الأسباب بالجوارح
والتسليم بالقلب لله رب العالمين
وصل اللهم وسلّم على سيدنا محمد والحمد لله رب العالمين.