رغم بساطة وسائلها..أسمعت صوت الجزائرعاليا بقرائح مذيعيها ونضالات أبطالها

إثنان و ستون  سنة تمر اليوم على تأسيس الاذاعة السرية التي ولدت من رحم الثورة الجزائرية المباركة حيث أعلنت ميلادها يوم الـ 16 ديسمبر 1956 بأمر من قيادة الاتصالات آنذاك وعلى رأسها المجاهد الراحل عبد الحفيظ بوصوف لتكون منبرا لايصال صوت الجزائر الحرة المكافحة لكل أنحاء العالم وابراز حق الشعب الجزائري في الظفر بالحرية والاستقلال.

واستطاعت الإذاعة السرية بفضل العاملين بها والسياسة الحكيمة لقادة الثورة التحريرية أن تكون سلاحا مجديا في يد الثوار تضاهي فعاليته الأسلحة الحربية، فعبر أمواجها الاثيرية ساهمت في تحقيق حلم المجاهدين في الدفاع عن القضية الوطنية وبعث الثقة في نفوس الجزائريين والرد على الدعاية الفرنسية المغرضة التي مفادها أن الجزائر فرنسية كاشفة حقيقة الاستعمار الفرنسي وهمجيته.

 وتبقى الآلات البسيطة التي استعملتها الاذاعة السرية ابان الثورة شاهدة على حجم التحدي وقوة الارادة والاصرار . ولعل من أهم هذه الوسائل، تلك الأجهزة اللاسلكية التي كانت تستخدم كوسيلة اتصال بين المجاهدين والمذيعين وتحمل رسائل مشفرة لارباك المحتل الغاشم .

إن ثورة التحرير كانت بحاجة إلى وسيلة قوية تعبر عنها في تلك الفترة من النضال، و جاءت الإذاعة السرية كأفضل الحلول و أنجع الطرق للصّدح بصوت الحق مدويا من على شاحنة بسيطة على الحدود الجزائرية المغربية، و بالرغم من كل العراقيل التي كان يفرضها جيش الاستعمار إلا أن الإذاعة السرية تمكنت من نقل كل الأخبار السياسية للثورة و الإنجازات العسكرية لجيش التحرير. 

إن الإذاعة السرية تأسست بفضل عبقرية المجاهد البطل عبد الحفيظ بوصوف، احد أبناء ولاية ميلة (شرق الجزائر) ، الذي أشرف على تكوين مجموعة من المجاهدين الذين انضمّوا إلى مشروعه. فكان له الدور البارز في تأسيسها و رعايتها حتى أصبحت تبث من المغرب و تونس على ظهر شاحنة تجوب الفيافي  هروبا من عيون المستعمر الفرنسي ، وكانت تخاطب المستمعين لتقول "هنا إذاعة الجزائر حرة مكافحة ...صوت جيش التحرير و جبهة التحرير الوطني يخاطبكم من قلب الجزائر". وبعد حصول قيادة الثورة على أجهزة إتصال أمريكية الصنع ، تم تعديلها لتستعمل في مجال البث الإذاعي كجهاز PC610 ، وتمكنت الإذاعة السرية من البث يوميا من خلال شاحنة متنقلة من نوع GMC و لمدة ساعتين إبتداء من الثامنة مساء، و كانت تستهل بثها بالنشيد الوطني متبوعا بأخبارعن كل ما يجري في الجزائر مع التركيز على أخبار المعارك و الخسائر التي كان يتكبدها العدو على يد الثوار.

 عيسى مسعودي، أو كما يلقبه رفقاء النضال بالصوت الرمز للثورة التحريرية، بعد إنضمامه للإذاعة السرية أعطى دفعة قوية للعاملين بها، حيث كان بصوته الثوري الجهور و فصاحة لسانه و حماسه المنقطع النظير يشحذ همم الثوار الذين كانوا في ساحات المعارك يضحون بالنفس و النفيس لتحرير الجزائر من براثين المستعمر الفرنسي الغاشم. حبه للجزائر ترجمه في انفعالاته الجارفة حيث كان الرئيس الراحل هواري بومدين يشيد بالدور البارز الذي لعبه عيسى مسعودي من موقعه في الإذاعة السرية، حيث كان صوت الثورة المدوي الذي فاقت قوته مدافع المعارك الضارية في الجزائر، حيث قال بومدين إن "نصف إنتصارات الثورة بفضل جيش التحرير و نصفها الآخر بفضل صوت عيسى مسعودي".