"العيش معا في سلام" إعتراف أممي بمبادرة جزائرية: المصالحة أولا.. السلام دائما !

في 29 سبتمبر  2005، انتهز الشعب الجزائري فرصة حقيقية لاستثمار قيم  الوئام والمصالحة لإنهاء مأساة وطنية دامت عقدا من الزمن، فصادق بالإجماع (97 بالمائة) في استفتاء شعبي على ميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" لتتحول التجربة الجزائرية بعد 12 سنة إلى مبادرة لـ "العيش معا في سلام" تتبناها الأمم المتحدة بالإجماع وتقر لها يوما عالميا في 16 مايو من كل عام.
 

 

ففي 8 ديسمبر 2017 صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع ( 172 دولة من إجمالي 193) على اللائحة رقم 72/130 تعلن من خلالها يوم 16 مايو من كل عام، " يوماً عالميا للعيش معا بسلام من أجل التعبير عن الرغبة في العيش والعمل معا موحدين في ظل الاختلاف والتنوع من اجل إقامة عالم في كنف السلام والتضامن و الانسجام".

من سان أوغستين إلى الأمير عبدالقادر.. السلم والعيش المشترك

ويمثل إقرار يوم عالمي لـ "العيش معا في سلام"  اعترافا دوليا بجهود الجزائر في ترقية وتعميم قيم السلم والمصالحة الوطنية والعيش المشترك  لإنهاء معاناة الأبرياء في العالم مع الحروب والفقر والجهل.
هذه القيم التي تسكن الجزائري من  سان أوغستين ، الذي تعتبره الكنيسة الكاثوليكية والأنغليكانية والأرثوذكسية قديسا، ويعتبره العديد من البروتستانت، أحد المنابع اللاهوتية لتعاليم الإصلاح الديني البروتستانتي، مرورا بالأمير عبدالقادر، الذي ساهم في حماية 11 ألف مسيحيا بسوريا  سنة 1860 بعد أن أووا إليه في بيته وفي بيوت معارفه وحاشيته، ووقف في وجه مسلمين متشدّدين"، وصولا إلى الرئيس بوتفليقة في الألفية الثالثة بحسب تعبير وزير الخارجية عبد القادر مساهل.
خلال مناقشاته بالدورة 204 للمجلس التنفيذي للمنظمة الأممية للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) في مداخلة حول اليوم العالمي للعيش معا بسلام، في 10 أفريل 2018 بباريس، أبرز مساهل "دور سان أوغستين والأمير عبد القادر في حماية المسيحيين بسوريا، وأيضا خطاب الرئيس بوتفليقة التاريخي المتميز  بالإنسانية والتسامح الذي ألقاه في اليونسكو منذ 13 سنة أثناء ندوة  حول الحوار بين الحضارات".

 

 

"العيش معا في سلام": المصالحة أولا.. السلم دائما !

 إقرار مبادرة " العيش معا في سلام" يوما عالميا يمثل اعترافا بقيم الجزائر التي طالما كرستها واقعا ملموسا ودافعت عنها وسعت لتعميمها على المعمورة قاطبة. إنها قيم السلام والأمن والعيش المشترك، وقبلها، وهو الأهم، المصالحة التي تبدأ مع الذات وتنتهي مع الآخر. المصالحة أولا لتحقيق السلم والأمن والعيش المشترك دائما وأبدا!

في 29 سبتمبر  2005، صادق الشعب الجزائري بالإجماع (97 بالمائة) في استفتاء شعبي على ميثاق "السلم والمصالحة الوطنية" الذي اقترحه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، استكمالاً لقانون "الوئام المدني" الذي كان أصدره في عام 1999، وهو ما شكل مرحلة مفصلية في تاريخ الجزائر المعاصرة، ووضع حدا فاصلا بين سنوات الدم والدموع وأخرى مشرقة استعادت معها الجزائر بهجتها ورونقها.

بوتفليقة: المصالحة الوطنية حققت 3 إنجازات

حاول الرئيس بوتفليقة  منذ انتخابه في 1999، وقف نزيف الدم وإطفاء جمرة الإرهاب، فسعى إلى إقناع الشعب الجزائري بضرورة طي صفحة الماضي والذهاب لمصالحة وطنية تضع حدا لسنين الجمر. مصالحة تجمع ولا تفرق، وتشمل الجميع دون أن تستثني أحدا، وتعيد للشعب الجزائري بسمته وتمكنه من العيش في أمن وسلم بعيدا عن ضغائن و أحقاد الماضي. ثم ما لبثت أن تحولت نموذجا يحتذى به إقليميا ودوليا.

وأبرز الرئيس بوتفليقة في أحد خطاباته مسعاه: "جئتكم رسول حب وسلام، ما جئتكم محتكرا للوطنية أو للحقيقة، أو جالسا على كرسي العصمة، لكن جئتكم لتعلموا بأن الجزائر ليست بخير وأنه لا بد من النهوض كرجل واحد لإنقاذها من محنتها. تناديكم بجراحها. تناديكم بأمواتها. تناديك بقتلاها. تناديكم بضحاياها. تناديكم. تناديكم. تناديكم. تناديكم الجزائر، فهبوا لإنقاذ بلادي !".

وعاد الرئيس  بوتفليقة ليؤكد، بمناسبة إحياء الذكرى العاشرة للمصادقة على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، أن "كل ما تحقق في كنف الوئام المدني، والسلم  والمصالحة الوطنية يشكل جملة من المكاسب نحمد الله عليها. مكاسب تتيح لنا المزيد من البناء والتقدم"، مشيرا إلى أن "استرجاع السلم، وبسط الأمن في البلاد، وإنعاش البناء الوطني هي الإنجازات الثلاثة الجسام التي يسر تحقيقها جنوحكم إلى المصالحة الوطنية، وكان من المفيد أن نستظهرها بمناسبة إحياء هذه الذكرى".

المصالحة.. صفحة جديدة في تاريخ الجزائر

فتحت تزكية ميثاق السلم والمصالحة الوطنية صفحة جديدة في تاريخ الجزائر حيث سمحت باستعادة الأمن والسلم وتوجيه القوى والجهد نحو البناء والتشييد، واستدراك ما فات خلال مرحلة المأساة الوطنية التي تميزت أيضا بتخريب كبير وفظيع للاقتصاد الوطني والبنية التحتية الوطنية.

في هذا الصدد كشف رئيس خلية المساعدة القضائية لتطبيق تدابير ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، المحامي مروان عزي،  عن استفادة 8752 شخصا من تدابير المصالحة الوطنية، ومن بين هؤلاء 2226 شخصا غادروا السجون خلال السداسي الأول من عام 2006. كما تمت معالجة 44 ملفا من بين 500 ملف متعلق بالأطفال المولودين بالجبال و270 ملفا خاصا بمعتقلي مراكز الجنوب.

وأضاف عزي أن الجزائر "أصبحت من خلال تجربتها هذه رائدة في العديد من دول العالم التي رأت أنها ممكن أن تستفيد من التجربة الجزائرية وتطبقها على بلدانها".

أحمد ميزاب رئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم والمصالحة: "العيش في سلام" اعتراف بمكانة الجزائر  وعمق نظرتها

واعتبر الدكتور أحمد ميزاب، رئيس اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم والمصالحة، إقرار الأمم المتحدة يوما عالميا "للعيش معا في سلام" اعترافا بمكانة الجزائر وعمق نظرتها ونجاح دبلوماسيتها.

وقال في حوار مع "موقع الإذاعة الجزائرية" إن "اعتراف الأمم المتحدة بالعيش معا في سلام كيوم عالمي هو إقرار بأن العالم في خضم هذه التحولات الدولية الحالية وتنامي النزاعات والصراعات سواء كانت داخلية أو بينية أو بين الأمم نحتاج إلى يوم نراجع فيه حساباتنا ونعيد فيه ضبط معايير المعادلة من خلال الإقرار بأن العالم يحتاج فعلا للعيش في سلام باختلافاته وتنوع ثقافاته، ولنا في التجارب السابقة أبرز شاهد على فظاعة هذه الصراعات".

وأضاف:" رأينا كلفة الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة ثم كلفة الظاهرة الإرهابية في تمددها المستمر عبر مختلف نقاط العالم، وغيرها من النزاعات والخلافات، وبالتالي في خضم كل هذه الأوضاع نحن بحاجة لتأسيس ليوم نعيد فيه ترتيب الأوراق وأن نتحدث بلغة التضامن الدولي ومن الضروري أن نتعايش بسلام وأن نجعل الخلافات جانبا وأن يتم حلها بالحوار والحلول السلمية لتحقيق آمال شعوب العالم. أليس من ديباجة ميثاق الأمم المتحدة إقرار الدول المنضوية داخلها بالعمل على الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وذلك من خلال العيش معا بسلام و تسوية الأزمات بالحوار والعقل". (طالع الحوار كاملا عبر هذا الرابط)

 

قسنطيني:  المصالحة حققت 95 بالمائة من أهدافها

من جانبه اعتبر المحامي مصطفى فاروق قسنطيني "المصالحة الوطنية مميزة لأنها جزائرية خالصة، وأفضت لتحقيق السلم في ظرف قياسي".

وأوضح قسنطيني ، في تصريح للإذاعة الجزائرية في مايو 2015 بمناسبة مرور 10 سنوات على تزكية ميثاق السلم والمصالحة الوطنية :"  المصالحة الوطنية التي بادر السيد رئيس الجمهورية وتكفل بها شخصيا أصبحت مثار إعجاب وإشادة كل الوفود الأجنبية. لماذا؟ لأنها كانت جزائرية خالصة ولم يتدخل فيها أي طرف أجنبي. ثانيا: أنها نجحت في ظرف قصير جدا وقياسي وحققت أهدافها أو قل حوالي 95 بالمائة من أهدافها. وأصبحت المصالحة الجزائرية مثالية ومثالا يحتذى به في العالم لأن ما حدث في الجزائر كان شبه معجزة بحيث تحققت المصالحة في فترة قياسية على عكس المصالحة في دول أخرى حيث دامت فترات طويلة جدا".

رئيس أساقفة الجزائر هنري تيسيي للإذاعة: الجزائر ضمنت أمن وحرية الأقلية المسيحية

كان لابد أن يلقى نجاح التجربة الجزائرية في المصالحة الوطنية والعيش المشترك في سلام ووئام صدى إيجابيا وتحظى بإشادة واعتراف دوليين ورغبة إقليمية في الاستفادة منها.

ما يثبت ذلك.. إعتراف الرئيس السابق لأساقفة كنيسة الجزائر ، هنري تيسي، بفضل الجزائر في ضمانها، غداة استقلالها، أمن وحرية الاقلية المسيحية التي فضلت البقاء في الجزائر وكانت جنبا إلى جنب إلى الجزائريين في السراء والضراء  سيما خلال التسعينات.

وخلال لقاء نظم بمقر الإذاعة الجزائرية بمناسبة "اليوم العالمي للعيش معا في سلام" ثمن هنري تيسيي مساعي الرئيس بوتفليقة في إحلال السلم والمصالحة بالجزائر  وجهوده في حل النزاعات والازمات سياسيا وعبر الحوار من مبدأ تقبل الآخر والاختلاف. كما عبر عن امتنانه لتبني الأمم المتحدة لمبادرة الجزائر في محيط دولي يشهد حروبا وصراعات متعددة.

 

مركز كارنيغي: التجربة الجزائرية نموذج مرجعي للحدّ من التطرف

مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط أشاد بالتجربة الجزائرية في السلم والصالحة الوطنية معتبرا إياها "نموذجاً مرجعياً لمبادرات أخرى للحدّ من التطرف عبر العالم"، بينما شدد مستشار الكونغرس الأمريكي وليد فارس أن "للجزائر  تجربة طويلة المدى في مكافحة الإرهاب ما جعل منها دولة مهمة على المستوى الإقليمي والدولي.

ففي تحليل نشره في 17 نوفمبر 2017، بعنوان "حياة ما بعد الجهادية"، أشار مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط،  إلى أنّه "لا وجود حتى الآن لأيّ نموذج أو برنامج مثالي لاستسلام الجهاديين، وأنّ التجربة الجزائرية تشكّل نقطة انطلاق مفيدة لتطوير مبادرات لمكافحة التطرف في أماكن أخرى في العالم".

من جهتها، أعلنت الباحثة المقيمة في مركز "كارنيغي للشرق الأوسط"، صاحبة التحليل، دالية غانم يزبك، أنّ "السلطات في الجزائر تبنت مقاربة مختلفة تماماً، وذلك باستعمالها أساليب أكثر تصالحية، بما في ذلك الهدنة، ومسار المصالحة الوطنية، وبرامج التوبة وإعادة التأهيل، وبرامج الاستثمار في مجالات التنمية".

وجاء في التحليل ان "عودة الجزائر إلى المسار السياسي التعددي في 1995 قد سمح بإعادة إدماج جميع الأحزاب في الحياة السياسية" من خلال منح "الضالين" طريقا سلميا للتعبير كبديل عن العنف. كما ان قانون الرحمة قد شجع حوالي 2000 "إرهابي" على تسليم السلاح خلال الفترة الممتدة بين 1995 و 1996.

وأضاف التقرير أن  7000 إرهابي، إضافة إلى جماعات إرهابية أخرى، ألقوا أسلحتهم و قبلوا بالعودة إلى ديارهم. كما سمح هذا المسار  بإعادة ثقة الجزائريين في مسؤوليهم".

 

مفوض السلم في الإتحاد الإفريقي : إعتراف دولي بدور الجزائر في إحلال السلم

من جانبه قال مفوض السلم و الأمن لدى الإتحاد الأفريقي إسماعيل شرقي "إنه من الأهمية بمكان  الاستفادة من خبرة الجزائر في إطار المصالحة الوطنية و مكافحة الإرهاب و ما قام به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من إعادة الأمن و الطمأنينة في الجزائر " وفقا لما صرح به للإذاعة الجزائرية بمناسبة الورشة الدولية حول دور المصالحة الوطنية في الوقاية ومكافحة التطرف العنيف  والارهاب بالجزائر في 10 يوليو  2017 .

وأوضح " أن الاعتراف بدور الجزائر في مكافحة الإرهاب إحلال السلم والأمن يأتي تثمينا لتجربتها المريرة في القضاء على هذه الظاهرة يكرس واقعا حقيقيا ومشهودا للدور الجزائري الذي ينم عن رغبة صادقة لحل المشاكل وسعيها للم شمل الفرقاء في مالي وكذا ليبيا  لمساعدة دول المنطقة في تحقيق السلم".

 

كما اعتبر مستشار الكونغرس  الأمريكي وليد فارس  أن "للجزائر  تجربة طويلة المدى في مكافحة الإرهاب وهذا ما جعل منها دولة مهمة على المستوى الإقليمي والدولي.. وقد تم في اجتماع نيويورك  التأكيد على الشراكة بين الجزائر وأمريكا في مجال محاربة هذه الظاهرة.

وأضاف فارس أن "الإشادة الدولية بدور الجزائر تعد بمثابة تحفيز للدول الأخرى للاستفادة من خبرتها  وكذا من النجاعة الجزائرية التي تتبنى الحل السلمي ونحن مع هذه المقاربة أي مع تغليب الحل السياسي على الحل العسكري.

 

السفير الصحراوي : "العيش معا في سلام" دليل على نجاعة التجربة الجزائرية

واعتبر السفير الصحراوي بالجزائر عبد القادر طالب عمر الاحتفال الأممي بـ " اليوم العالمي للعيش معا في سلام" بأنه "اعتراف عالمي بالدور الذي تقوم به الجزائر في نشر السلم والمصالحة والاستفادة من تجربتها في مكافحة الإرهاب، "حيث أصبحت مدرسة تستفيد وتنهل منها الشعوب" وفقا لما صرح به في منتدى صحيفة "المجاهد".

وأشار طالب عمر إلى  أن ما حققته الجزائر من مكاسب وما تنعم به اليوم من سلم واستقرار، لم يأت من عدم وإنما بفضل الجهود الجبارة التي بذلتها في شتى الميادين، في وقت حافظت على مواقفها المبدئية، على غرار دعمها القضية الصحراوية والفلسطينية وتمسّكها بمبدأ رفض التدخل في شؤون الغير.

المصدر: موقع الإذاعة الجزائرية / عياش سنوسي

الجزائر