محمد الخضر حسين ... العالم المصلح و المناضل الثائر.

قد تتزاحم الأسماء و نحن نبحث عن علماء أجلاء قدموا للأمة العربية و الإسلامية كنوزا في العلوم الشرعية واللغوية و الفكرية لتبوح بإسهامات أصحابها ، لكن سرعان ما تتراجع معظمها ونحن نخص منهم المصلحون و المناضلون السياسيون الثائرون والحداثيون المجددون ....

نعم هي مواصفات قل ما اجتمعت في عالم كالعالم الفقيه و اللغوي البليغ و المصلح الديني رائد الوسطية و التجديد و المناضل السياسي الثائر" محمد الخضر حسين "،الرجل الجامع الذي وصل بمسيرته العلميه و النضالية بين المشرق و المغرب العربيين.

عالم وصفه الدكتور الباحث في التاريخ المعاصر مولود عويمر،لدى نزوله ضيفا على برنامج "في الفقد و الغياب " للإذاعة الثقافية ،بوريث التيار الإصلاحي الثائر المعاصر- الذي ضم في مدرسته جمال الدين الأفغاني و عبد الرحمان الكواكبي- و المتفرد بتوجهاته النضالية العلمية و السياسية وأفكاره التحررية الرافضة لمظالم الإستعمار، في زمن كان فيه العلماء منصرفون إلى علمهم وكفى. 

هذا وعدد الأستاذ عويمر مناقب هذا العالم الجليل ،الجزائري الأصل التونسي المنشأ ،الذي حفظ القرأن و تعلم العلوم اللغوية و الشرعية لينفذ بها إلى التدريس في جامع الزيتونة و ينصهر بسرعة في بيئته العلمية و الفكرية و الثقافية،وسط احتكار و سيطرة كبار العائلات التونسية على مشيخته ، الأمر الذي يرى فيه الضيف ، دليلا على نبوغته و حدة ذكائه وفطنته و قوة ذاكرته و حنكته .

كما أكد الدكتور مولود عويمر علو كعب هذا العالم و طموحه الذي تناهى إلى توليه عديد المناصب في القضاء و التدريس بأهم المدارس المعاصرة آنذاك  كمدرسة الصادقية بتونس ومدرسة السلطانية بدمشق ثم الجامع الأموي بدمشق وجامع الأزهر بمصر الذي التحق به طالبا للشهادة العالمية، فمدرسا للسياسة الشرعية ،ليرقى بعده إلى منصب شيخ الأزهر ، و يكون بذلك تاني شخصية تتولى مشيخة الأزهر من خارج مصر بعد حسن العطار من المغرب الأقصى. 

و أشار الدكتور عويمر إلى زخم الإنتاج العلمي و الفكري و الأدبي لمحمد الخضر حسين الذي استطاع تأسيس أول مجلة عربية أدبية في تونس سنة 1904 بعنوان " السعادة العظمى".إضافة إلى مجلة " الخطابة " في سوريا و مجلة " العالم الإسلامي "  الصادرة باللغتين العربية و الألمانية ببرلين بألمانيا، زيادة عن توليه رئاسة تحرير مجلة الأزهر" نور الإسلام " و إسهاماتهه في مجلة "الفتح " لصاحبها محب الدين الخطيب و كذا مجلة " المنار " لمحمد رشيد رضا.

كما أظهر محمد الخضر حسين موهبة لغوية و بلاغة و فصاحة و إتقان أهلته لعضوية مجمع اللغة العربية  لمصر و كذا المجمع العلمي لسوريا ،و ظل قلمه سيالا لكتابة الدراسات و المقالات في الشعر و الأدب و اللغة العربية كعلم و التأصيل لها من الناحية النحوية و الصرفية و كذا عن دورها و أهميتها في فهم النص القرآني ،زيادة عن مؤلفه الذي ورد في شكل سجال فكري و ثقافي عنون ب " نقض كتاب - الشعر الجاهلي - لطه حسين و " نقض كتاب - الإسلام و أصول الحكم - لعلي عبد الرزاق،هذا إضافة إلى كتاباته التحررية الداعية إلى رفع ظلم المستعمر الذي ناضل ضده من خلال نشاطه السياسي الذي اتجه فيه إلى تأسيس عدة جمعيات على غرار جمعية " الشبان المسلمين " سنة 1927 و جمعية " الهداية الإسلامية " سنة 1928 و جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية سنة 1941.

وأكد الدكتورمولود عويمر زيارة محمد الخضر حسين لبلد آبائه و أجداده الجزائر سنة 1903 ثم العودة إليها سنة 1904،حيث قدم محاضرات و دروس و التقى بصفوة علمائها كعبد القادر مجاوي و عبد الحليم بن سماية و مصطفى بلخوجة و محمد بن أبي شنب ،    واستمع إلى محاضراتهم وأشاد بأدائهم و فكرهم و أبدى إعجابا كبيرا بهم.إلا أنه لم يتم تدوين أي زيارت أخرى له بعد ذلك إلى الجزائر و التي عازها الدكتور عويمر إلى الظروف التي كانت سائدة أنذاك.