الجزائر من الحراك إلى الحوار...محطات ضيقت الهوة بين الجزائريين و أطفأت نار الفتنة

أثبتت الأحداث التي عرفتها الجزائر منذ 22 فبراير المنصرم وما تمخض عنها من أزمة سياسية بعد استقالة رئيس الجمهورية السابق عبد العزيز بوتفليقة وما واكبها من حراك شعبي عبر مختلف التراب الوطني، بأنه لا مناص من الذهاب إلى حوار عميق بين الفواعل السياسية بمرافقة الجيش الوطني الشعبي الذي تناغم مع سلمية الحراك من خلال دعوات نائب وزير الدفاع الوطني قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح الذي حرص في تنقلاته عبر النواحي العسكرية على الدعوة إلى انتهاج سياسة الحوار الجاد والبناء والهادف من اجل تقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى ولإيجاد الآليات التي تجسد المسعى الملح للوصول الى نتائج ملموسة تفك عقدة الأزمة السياسية.

وكانت مبادرة رئيس الدولة عبد القادر بن صالح بالدعوة الى الحوار متجاوبة مع رغبة نائب وزير الدفاع الوطني قائد الأركان خاصة بعد إلغاء موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الذي كان مقررا في 04 جويلية المنصرم، ومن هنا تم بعث هيئة الحوار والوساطة وهي المبادرة التي التف حولها المجتمع المدني بكل أطيافه ورأت فيها الطبقة السياسية مخرجا يقود الى حل للأزمة السياسية المستعصية فضلا عن تجاوب أطراف عدة من الحراك، حيث تبنت هذه الأطراف المبادرة وانخرطت في المسعى بعد أن رأت بان الكثير من المطالب التي رفعها الحراك قد تحققت سيما بعد استقالة رئيس الجمهورية السابق عبد العزيز بوتفليقة وكذا وضع حد للعصابة التي تآمرت على أمن واستقرار الوطن.

ومنذ الوهلة الأولى لبعث هيئة الوساطة والحوار يوم 25 جويلية المنصرم حرصت هيئة كريم يونس على انتهاج الحوار الجاد المسؤول والشفاف كأسلوب حضاري حيث عكفت على عقد لقاءات في مقرها الوطني أو عبر الولايات بغرض التطرق إلى كل القضايا التي تهم الجزائريين دون استثناء.

وكان من أولى نتائج وفضائل الحوار أن هيئة الوساطة عملت على تقارب وجهات النظر عما يجري في الوطن والتي كان نائب وزير الدفاع الوطني أحمد قايد صالح قد أولاها في الكثير من خطاباته أهمية قصوى كما شدد عليها رئيس الدولة خلال مبادرته بالدعوة إلى الحوار.

وتبين من خلال جولات الحوار أن الهيئة لم تحتكر الحوار ولا الكلمة وكانت في كل تصريحاتها تؤكد للمترددين والمنتقدين بأن ما يتم داخل القاعات عبر الولايات كان حوارا بين الجزائريين أنفسهم وليس حوارا مع السلطة أو مجموعة مصغرة وأن القصد من كل ذلك هو إخراج البلاد من الأزمة والعمل على تفويت الفرصة على من أرادوا الجزائر أن تحترق.

وكان هذا الهدف من أكبر النتائج الملموسة التي تحققت كما كان فضيلة من فضائل هذا المسعى الحواري الجاد كيف لا وهو الذي فوت الفرصة على أولئك الذين حاولوا توريط الجيش في مستنقع السياسة وجعله طرفا مباشرا في الحوار.

والجدير بالذكر، أن هيئة الوساطة والحوار التي عملت دون هوادة من أجل تسريع الحوار تمكنت وفي ظرف قصير من الجلوس والتحاور مع 23 حزبا سياسيا باستثناء الأحزاب التي كانت طرفا من الأزمة كما التقت بـ5670 جمعية وطنية ومحلية بالإضافة إلى العديد من الشخصيات الوطنية كما تركت الأبواب مفتوحة أمام مناضلي بعض الأحزاب المرفوضة شعبيا لإبداء الرأي والمشاركة في الحوار.

وقد أشار التقرير الذي رفعته الهيئة الى رئيس الدولة إلى أن المقترحات والتوصيات المقدمة من أطراف الحوار والتي تمت استشارتها وحظيت بإجماع واسع قد ترجمت الى مشروعين رفعا إلى المجلس الشعبي الوطني وتمت الموافقة عليهما بالإجماع أولهما يعدل ويتمم القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات وهو أهم مطلب نادى به الحراك.

والثاني هو إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات وهو إجراء نادى به الحراك أيضا والطبقة السياسية اذ بموجبه ولأول مرة في تاريخ الانتخابات في الجزائر تبتعد السلطة عن تنظيم انتخابات على مثل هذا المستوى من الأهمية وهذا يعد من فضائل الحوار وابرز نتائجه الملموسة.

وقد أهاب نائب وزير الدفاع الوطني قائد أركان الجيش الوطني الشعبي أحمد قايد صالح بالنتائج الملموسة حيث دعا بالتعجيل إلى تنظيم الانتخابات الرئاسية فأشاد بعمل الهيئة الوطنية للوساطة والحوار وبالنتائج المشجعة التي حققتها في وقت قصير واعتبر ذلك آلية من الآليات التي تجسد المسعى الملح المتمثل في الذهاب الى تنظيم انتخابات رئاسية حاثا رئيس الدولة على استدعاء الهيئة الناخبة منتصف شهر سبتمبر الفارط لانتخاب رئيس جديد للجمهورية فكانت الاستجابة سريعة بتحديد رئيس الدولة عبد القادر بن صالح لتاريخ 12 ديسمبر 2019 موعدا لإجراء الرئاسيات طبقا للمادتين 7 و 8 من الدستور اللتين تنصان على أن الشعب هو مصدر كل سلطة، وهو المطلب الذي ألح عليه الحراك في كل الشعارات التي رفعها منذ 22 فبراير.

وقد ثمن العديد من القانونيين والسياسيين نتائج الحوار واعتبروها قفزة نوعية تأسس لمرحلة جديدة بعد الخروج من الأزمة، وفي هذا الصدد أكد الدكتور سليمان أعراج أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر -3- أن الهيئة الوطنية للوساطة والحوار نجحت في تكوين لبنة من لبنات الحل والتي انبثقت عنها إنشاء سلطة وطنية لتنظيم الانتخابات والتي كانت مطلبا لجميع الفواعل السياسية والجمعوية، معربا عن اعتقاده بأن الهيئة قد نجحت على الأقل في وضع حل للانفعال الزائد وجمع الفرقاء والتقريب في المفاهيم والرؤى ووجهات النظر وأن 80 بالمائة من الجزائريين كما يقول ماضون مع الانتخابات الرئاسية.

ومن جهته يرى المختص في علم الاجتماع السياسي الدكتور سعيد عيادي أن الهيئة وضعت الخطوة الأولى لتصور الخروج من الأزمة ويقول "إن هذه الهيئة وبمجرد تشكيلها أضافت أعضاء جدد وهو دليل على أنها تميزت بالليونة وبالسلاسة والانفتاح وقبول الرأي الآخر والتواصل مع كل الحساسيات والقناعات وبالتالي فان تشكيلة الهيئة اتجهت ومن البداية إلى محاولة رسم مجتمع جزائري يرفض الرؤى المتطرفة وليتفق كل المتحاورين على أن مسالة الشرعية الأولى التي يجب أن نبادر بها التي سبق وأعلنها منسق الهيئة تتمثل في الاتفاق على انتخاب رئيس جديد لمرحلة انتقالية تكون مفتاحا يساعد الجميع ويوجه السياسة القادمة إلى بر الأمان".

والأكيد أن كل مخرجات الحوار والوساطة تتضمن ما يكفي من ضمانات لتنظيم انتخابات رئاسية تستوفي شروط الانتظام والشفافية والحرص على تجاوز الأزمة السياسية  من خلال موعد 12 ديسمبر المقبل الذي سيفتح آفاقا جديدة في كنف الاستقرار والأمن والطمأنينة.

الإذاعة الثقافية : أميرة مريم شويعل

 

 

 

 

الجزائر, مجتمع